جلال الدين السيوطي
89
الأشباه والنظائر في النحو
يكون شرطا فإنّه يتعيّن اقترانه بالفاء ، ولا فاء هنا فاستحال هذا الوجه . فإن قلت : لعلّه يجعله مثل قوله « 1 » : [ البسيط ] من يفعل الحسنات اللّه يشكرها * [ والشّرّ بالشّر عند اللّه مثلان ] فهذا وجه ضعيف كما قدّمنا ، فلم حمل الكلام عليه ؟ بل لم أوجب أن يكون الكلام محمولا عليه ؟ ولا سبيل إلى الثاني لأنّه خلاف المألوف في العربيّة فإنّ منهاج كلامهم أن يحذف من الثاني لدلالة الأوّل لا العكس . فأمّا قوله « 2 » : [ المنسرح ] نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض [ والرأي مختلف ] فخلاف الجادّة ، حتّى لقد تحيّل له ابن كيسان فجعل ( نحن ) للمتكلّم المعظّم نفسه ، ليكون ( راض ) خبرا عنه . فأنت ترى عدم أنسهم بهذا النّوع حتى تكلّف له هذا الإمام هذا الوجه . حكى ذلك عنه أبو جعفر النحّاس في شرح الأبيات ، ولأنّه أيضا خلاف المألوف من عادتهم في توارد ذوي جوابين من جعل الجواب للثّاني . ثمّ الذي يبطل هذا المذهب من أصله أنّا تأمّلنا ما ورد في كلام العرب من اعتراض الشّرط على الشّرط ، فوجدناهم لا يستعملونه إلّا والحكم معلّق على مجموع الأمرين ، بشرط تقدّم المؤخّر وتأخّر المقدّم . فوجب أن يحمل الكلام على ما ثبت في كلامهم كقوله « 3 » : [ البسيط ] إن تستغيثوا بنا إن تذعروا [ تجدوا * منّا معاقل عزّ زانها كرم ] فإنّ الذّعر مقدّم على الاستغاثة ، والاستغاثة مقدّمة على الوجدان . فهذا ما عندي في دفع هذا المذهب . المذهب الثالث : أنّ الشرط الثاني جوابه مذكور ، والشرط الأوّل جوابه الشرط الثاني وجوابه . فإن قيل : « إن ركبت إن لبست فأنت طالق » ، فإنّما تطلق إذا ركبت أوّلا ثمّ لبست . وهذا القول راعى من قال به ترتيب اللفظ وإعطاء الجواب لما جاوره . وإنّما يستقيم له هذا العمل على تقدير الفاء في الشّرط الثاني ، ليصحّ كونه جوابا للأوّل ، وعلى هذا فلا يلزم مضيّ فعل الشرط الأوّل ، ولا الثّاني ، لأنّ كلّا منهما قد أخذ جوابه .
--> ( 1 ) مرّ الشاهد رقم ( 628 ) . ( 2 ) مرّ الشاهد رقم ( 30 ) . ( 3 ) مرّ الشاهد رقم ( 625 ) .